نجاحات صغيرة
|
أنظر الآن إلى المستقبل وأجده بحرا أسودا متلاطم الأمواج، وأجدني على حافة السنة الثامنة والعشرين من عمري، دون مصدر دخل ثابت ولا سكن ولا زوجة. لكني أنظر إلى الماضي وأجدني لم أضيع عمري هباءً. ربما هي نجاحات صغيرة، لكن بالنظر إلى ”البيئة“ التي أعيش فيها هي إنجازات مستحيلة في نظر الكثيرين، تخطيت خلالها صعوبات لم يستطع أقراني تخطي عتبة التفكير في استحالة تجاوزها. الدرس الأول: العمل التجاري في المهد يقود إلى اللحدأول مشروع تجاري أردت تنفيذه كان خلال مرحلة الدراسة الإعدادية (التأهيلية كما تسمى في دول أخرى)، وهو إصدار مجلة للتلاميذ وبيعها في المدرسة. كنت نشيطا آنذاك في كثير من الأنشطة المدرسية -خاصة المنظوية تحت لواء المكتبة المدرسية- وشاركت في تحرير وإدارة أكثر من مجلة، بالعربية والفرنسية. أسست رفقة صديق ناديا للشطرنج في المؤسسة، ثم مكتبة مصغرة ضمن المكتبة المدرسية لتجاوز الإجراءات البيروقراطية بخصوص استعارة الكتب. خلال سنتنا الثانية في المدرسة، جائني ذلك الصديق -اسمه نجيب، وهو مستقر الآن في اسبانيا التي هاجر إليها بشكل غير شرعي بعد أن انقطع عن دراسته في مدرسة المعلمين قبيل تخرجه بفترة قصيرة- بفكرة تأسيس مجلة ترفيهية ثقافية تباع بشكل تجاري لتلاميذ المدرسة، بجانب المجلات الأخرى -شبه الحائطية- المجانية التي تتوفر فقط للإطلاع في المكتبة المدرسية. جهزنا النسخة النموذج كاملة، وعرضناها على الناظر لاستئذانه قبل البدء في بيعها في المدرسة. جاءنا الرد سريعا بعد ساعات قليلة: عاصفة خرجت من مكتب المدير لتلطمنا على وجوهنا. لم يأتي الرد رفضا فحسب، بل تهديدا بالطرد من المدرسة. فقط لأننا فكرنا بإقامة مشروع تجاري ذي أهداف ثقافية. لم نكن مجرد تلميذين نكرتين. مستوانا الدراسي كان جيدا، ونشاطنا في المدرسة كان ملحوظة. وما زلت حتى الآن لا أفهم سر تلك الغضبة. نسينا الأمر لاحقا وواصلنا نشاطنا داخل المكتبة المدرسية. أسسنا مشروعا باسم ”الكمبيوتر العجيب“، وهو عبارة عن خدمة أسئلة وأجوبة يدوية. يكتب التلاميذ أسئلتهم في ورقات صغيرة ويدخلونها في نموذج كارتوني يمثل الحاسوب. ثم نبحث نحن لاحقا ونأتيهم بالأجوبة. أعجبت الفكرة أحد الأباء فتبرع علينا بجهاز كمبيوتر من العصر الحجري، اعتمدنا -نجيب وأنا- عليه في تأسيس نادي للحاسوب لتقديم بعض الدروس البسيطة حول التعامل مع الكمبيوتر. (لنتذكر أن الكمبيوتر كان آنذاك -سنة 1997- شيئا خرافيا بالنسبة إلينا.) استمر نشاطنا إلى نهاية سنتنا الدراسية الثالثة، النهائية، فحصلنا على تكريم من إدارة المكتبة المدرسية وروادها (مع ملاحظة أن القيمة على المكتبة هي زوجة المدير). تكريم لم يحصل عليه أحد قبلنا ولا أحد بعدنا. مغرب الفرص المهدورةسأخرج هنا عن سياق الموضوع لأقول شيئين. أولا، أفضل المشاريع وأكثرها قدرة على النجاح هي التي يؤسسها شخصين إثنين يعملان كفريق واحد. مهما تكن قدراتك كفرد واحد، فإن اعتمادك على شريك آخر سينقل عملك إلى مستويات من النجاح لم تكن تتوقعها. إلا أن إيجاد الشريك المناسب أمر صعب جدا جدا. ثانيا، كانت لدينا في تلك الفترة أفكار رائعة، لكن إمكانياتنا كانت منعدمة، وحتى معلوماتنا عن العالم الخارجي كانت محدودة. النظام الدراسي كان بليدا ولا يسمح لك بأي ”إنتاج حقيقي“. لاحقا حين سأتعرف على قصص ناجحين من أمريكا، خاصة في مجالي الكمبيوتر والإنترنت، سأشعر بحسرة حقيقية عن سنواتي الدراسية التي ذهبت هدرا. النظام الدراسي هناك مرن كفاية ليسمح للطلاب بالاشتغال على مشاريع خاصة وأبحاث قادرة على التحول مستقبلا إلى أعمال تجارية عظيمة. أما عندنا، حيث النظام الدراسي الفرانكفوني، كمثيله في فرنسا، المعتمد على التلقين لا غير، وملء الجدول اليومي للتلميذ والطالب بالحصص الدراسية، ثم ملء ليله بالتمارين التي يجب حلها لليوم الموالي، فإن النتيجة الوحيدة الممكنة هي ”حمار يحمل أسفارا“. يظهر هذا الأمر بوضوح أكبر في التخصصات العلمية. في تخصص الكمبيوتر مثلا، يقضي التلميذ ثلاث سنوات بئيسة في المرحلة الثانوية، ثم عامين كئيبين، مثل التجنيد، فيما يسمى بالأقسام التحضيرية للمدارس العليا. بعدها ثلاث سنوات في إحدى المدارس العليا لتخريج المهندسين، يجري خلالها الطالب بلا توقف ليسابق الزمن حتى ينهي ما عليه من حصص وينجز ما عليه من تمارين يومية. ثم أخيرا يتخرج، لتجد أن 90% من هؤلاء المهندسين المتخرجين من تخصص البرمجة، لا يستطيعون كتابة برنامج واحد متكامل! عكس أقرانهم في أمريكا حيث يستطيع الواحد منهم منذ سنته الأولى في الجامعة إنجاز ما هو أكثر من مجرد برنامج بسيط. (رغم أن الكل يصر على القول بأن الأمريكيين أغبياء!) الشأن المحليعودة للموضوع. بعد سنوات المرحلة الإعدادية التي كانت أروع سنواتي في المدرسة. جاءت المرحلة الثانوية كأبأس ما يكون. مدرسة صغيرة مزدحمة، أغلب الأساتذة كسلاء، المكتبة المدرسة فارغة، لا إمكانية لأي نشاط مواز، والمدير مكفهر الوجه متجهم دائما. مر العامين الأولين دون أي فائدة. كنت أدرس تخصص العلوم الرياضية، وهو التخصص الوحيد الذي يقود إلى مدارس المهندسين. لكننا عمليا لم نكن ندرس الرياضيات كما يفترض بالرياضيات أن تدرس. لا نتعلم شيئا عن ”المنطق“، لا شيء عن الأسس النظرية ولا تاريخ الرياضيات. كل ما علينا القيام به هو حفظ المعادلات وحلولها. ظهرت فسحة الأمل خلال السنة الثالثة، حيث أضيف لجدول الحصص مادة باسم الشأن المحلي. كانت المادة الوحيدة المعتمدة على البحوث الميدانية، وليس على الامتحانات النظرية التي تعلمك الحفظ والغش بنفس الدرجة. أول بحث أنجزته كان عن الإنترنت ومقاهي الإنترنت. لم يكن قد مر الكثير آنذاك عن دخول الإنترنت للمغرب، وكان من النادر إيجاد شخص يملك جهاز كمبيوتر في البيت. خلال تلك السنة قدمت لأستاذة المادة مقترح مشروع لإنشاء موقع إنترنت للشأن المحلي، بحيث يتضم الموقع محتوى الكتاب المدرسي، الذي لم يكن متاحا للتلاميذ بل فقط للمدرس. ونشر مجمل البحوث التي ينجزها التلاميذ في المدرسة (ثم التوسع لاحقا لباقي المغرب). أكرر بأن الإنترنت آنذاك ما يزال كائنا خرافيا مجهولا. أعجبت الفكرة الأستاذة فمررتها إلى المفتش، الذي مررها إلى الأكاديمية الجهوية (أي الإدارة المحلية للوزارة). كان لي بعد ذلك إجتماعين مع ممثلي الأكاديمية لشرح الفكرة أكثر وتمحيصها. ثم في النهاية كان القرار بتوفير جهاز كمبيوتر في المدرسة مع إشتراك بالإنترنت، ليتسنى لي الإشتغال على الفكرة. لكن المشكلة أن مثل تلك القرارات لا تنجو من البيروقراطية الجهنمية. لذلك تطلب تنفيذ الأمر الكثير من الوقت، حتى اقتربت السنة من نهايتها. وحتى حين جاء الكمبيوتر استحوذ عليه المدير في مكتبه! لم أكن أملك جهاز كمبيوتر في البيت، والجدول الدراسي المزحوم حتى الخنق، لم يكن ليترك لي فرصة الاعتماد على مقاهي الإنترنت، بسبب أنها لم تكن منتشرة آنذاك والمتوفر منها آنذاك كان بعيدا وغاليا. ذاك هو المشروع الوحيد، في حياتي، الذي أتحسر عليه. أتصور لو أنني نفذته، آنذاك، كم كنت سأستفيد. كنت بحكم التجربة سأتعلم كثيرا. سيتاح لي التعرف على جديد التقنيات. كنت سأكتشف التدوين مبكرا، وكذلك الشبكات الاجتماعية، ولم أكن لأكتب هذا الموضوع الآن. لكني رغم كل شيء، حين غادرت المدرسة تركت أثر يقول بأنني قد مررت من هنا. طنجة الأدبيةانتهت مرحلة الدراسة الثانوية وجاء موعد الجامعة. هنا غيرت المعطف وتحولت لدراسة الأدب العربي. لكني لم أصبر أكثر من سنة فودعت الجامعة غير نادم أبدا. تعرفت بعد ذلك على الصديق عبد الواحد استيتو، الذي اقترحت عليه لاحقا إنشاء مجلة ثقافية. فعرفني على صديقه عبد السلام بن ادريس، حيث استمرت مناقشاتنا لحوالي العام، قبل أن نقرر أخيرا تنفيذ الفكرة على شكل جريدة وليس مجلة، لأن تكلفة طباعة الجريدة أقل من المجلة. هكذا ولدت جريدة طنجة الأدبية الشهرية سنة 2004، وكانت الجريدة الثقافية والأدبية الوحيدة في المغرب. لم يكن التنفيذ سهلا، وكان مكلفا ماديا. اعتمدنا فقط على التمويل الذاتي. كنت آنذاك أشتغل في تدريس الكمبيوتر، ولأن الإقبال آنذاك كان كبيرا على تعلم علوم الحاسب، كان دخلي معقولا وكافيا لخوض تلك المغامرة. بعد عامين بدأنا ننسحب تباعا. انسحب عبد الواحد، ثم تبعته بعد أشهر قليلا. ثم لاحقا انسحب عبد السلام بعد بيع الجريدة لتسديد ديونها، وأسس لاحقا جريدة إخبارية. الجريدة لم تكن فاشلة بالمرة. كانت ناجحة جدا، وكم كانت فرحتنا غامرة حين كنا نتوصل برسائل من القراء من مدن مغربية لم نسمع بها قبلا. لكن تكلفة الطباعة كانت مرتفعة، والمبيعات لا تكاد تغطي التكلفة. الاعتماد على الإعلانات لم يكن ممكنا، لغياب المهتمين بالإعلان في المطبوعات الثقافية. الحل الوحيد الذي كان متوفرا هو الاعتماد على دعم وزارة الثقافة. إلا أننا لم نكن نهادن أحدا، ولم نكن نتسامح مع توجهات الوزارة. لذلك لم نحصل أبدا على أي إلتفاتة من الوزارة. لو أنني سأتحدث عن الموضوع من الناحية المادية لقلت بأني خسرت كثيرا. لكن معنويا، ربحت الكثير. ربحت ثقة القراء وعطفهم. تعلمت الكثير من أسرار الطباعة والتصميم. حتى أنني صرت بعد ذلك مستشارا لكل من يريد طباعة كتاب أو مجلة! الطريف أنني كنت أصمم الجريدة بنفسي، على جهاز كمبيوتر بطيء جدا، وبالاعتماد فقط على برنامج ميكروسوفت وورد. قبل أن أنتقل لاستخدام ميكروسوفت بابليشر. الخلاصة: رغم أن المشروع لم ينجح تجاريا، إلا أنني أعتبره قصة نجاح صغيرة. النشر الإلكترونيخلال نفس الفترة بدأت مشروع مجلة إلكترونية، كان اسمها مدارات. لم يكن المشروع ربحيا، بل مجرد مساحة متاحة للشباب للتعبير عن أرائهم بحرية. أفتخر بأنني استطعت تجميع نخبة من الكتاب الشباب من مختلف الدول العربية. أغلبهم يمارس الآن الكتابة الإحترافية. لم يكن التدوين معروفا عربيا، خلال بداية المجلة. لكن لاحقا حين بدأ ينتشر أضفت ”شبكة مدونات مدارات“ بتوفير مدونات شخصية لكتاب المجلة ليكتبوا فيها بحرية ومرونة بعيدا عن الخط التحريري للمجلة. التجربة كانت ناجحة، ونتائجها ما تزال ملموسة في مدونات: داليا يونس، عصام حمود وعصام إزيمي. توقفت التجربة لاحقا بعد تعاظم دور التدوين، ولم تعد هناك حاجة فعلية للمجلة. اكتسبت من التجربة الكثير من الخبرات، خاصة في جانب إدارة الفريق، وحسنت كثيرا من مهاراتي في تصميم مواقع الإنترنت. ثم جاءت مرحلة التدوين. كانت مرحلة متنوعة ومتميزة جدا. كل ما حققته لاحقا كان لتجربتي في التدوين جزء من الفضل فيه. أرابيسك والمرقابلم يكن هدفي تجاريا عند تأسيس مسابقة أرابيسك سنة 2009، بقدر ما أردت توفير آلية لانتقاء المدونات العربية الأفضل ومكافأة أصحابها. إلا أنني حققت من المسابقة دخلا جيدا، بجانب توفير جوائز مميزة للفائزين. كان يفترض أن تكون الدورة الثانية خلال هذه السنة نسخة أكثر تطورا من سابقتها. إلا أن الاهتمام بالتدوين بدأ يقل بشكل كبير، ولم يعد سهلا الحصول على رعاية للمسابقة بالقدر الذي يضمن تميزا عن الدورة الأولى. لذلك قررت إيقافها، قبل أن أتوصل بطلب لشرائها، فبعتها دون تردد. يمكنني أن أقول بأن هذا المشروع كان مربحا بالنسبة إليّ. نفس النهاية كانت أيضا من نصيب المرقاب الذي أسسته العام الماضي. بعد أشهر من إنطلاقه وجدت أن المشروع لا يسير بالشكل الذي يمكنني التحكم فيه. إضافة إلى بعض الظروف الخارجية التي أوضحتها من قبل. لذلك بعت المشروع. البعض يرى أنني استسلمت سريعا ولم أقاوم. يبدو ذلك صحيحا بنظرة سطحية، لكن عند التعمق في حيثيات القرار يتضح أن القرار كان أفضل ما يمكن إتخاذه آنذاك. المهم في النهاية أنني خرجت رابحا ماديا، مع خبرة كبيرة ستساعدني على تجاوز عقبات المشروع الموالي. الخاتمة: زاجلجاء ميلاد زاجل مع بداية هذه السنة. المشروع في الأصل يعتمد على تفاعل المستخدمين. لكني تعلمت من تجربة المرقاب أن الاعتماد على تفاعل المستخدمين العرب في البداية يعني الموت السريع. لذلك، ولأسباب إضافية تتعلق بسرعة التنفيذ، قررت تنفيذ المشروع على شكل وحدات مختلفة قبل تجميعها في النهاية. البداية بنظام بسيط لإدارة الهوية الرقمية، لا يعتمد على تفاعل المستخدمين بين بعضهم البعض. هذه البداية تحمي المشروع، فحتى لو لم يكن هناك إقبال عليه لن يؤثر ذلك على باقي المستخدمين. وحتى لو تأخرت عن تطوير الموقع سيبقى الموقع قابلا للاستخدام. النتيجة حتى الآن مبشرة. فالموقع حصل، خلال ثلاثة أسابيع فقط، على ضعف عدد المستخدمين الذي حصل عليه المرقاب خلال ثلاثة أشهر. وما زالت المسيرة مستمرة. |
25 janvier 2011 à 13:53:00
Blog : مدونة محمد الساحلي...

